• الخميس, 16 ربيع الأول 1441
  • |
  • 14 تشرين ثاني/نوفمبر 2019


  • 18,330 قراءة
  • 12 تعليق
  • 30 طباعة
عاصفة القصيم السوداء أرقام قياسية !!
 
الثلاثاء المشهود
ماذا حدث يوم الثلاثاء 4 ربيع الآخر الموافق 2 مايو وسط منطقة نجد (القصيم، الزلفي وسدير) إنه وبالإجماع يوم تاريخي ومشهود وفي الوقت نفسه يوم مخيف وإليكم القصة من البداية.
 
منتصف يوم الثلاثاء وقبل العاصفة سحاب طبقي يغطي المنطقة قُبيل العاصفة بساعات، بعد صلاة العصر السكون الذي سبق العاصفة يلف المنطقة، وفجأة ظهر ما لم يكن بالحسبان جدار أو قل جبل بني يميل إلى السواد يزحف من جهة الشمال الغربي تقريباً، العيون تتسمر أمام هذا المشهد المهيب والألسن تعج بالاستغفار والتهليل، الناس تترقب وصول العاصفة والقلوب يزداد قلقها كلما اقتربت وزاد سوادها، الناس تخبر بعضها بعضا عبر المحمول، كميرات الدجتل والجوال تصور المشهد، الأبواب تؤصد والنوافذ تغلق والإنارة تشعل، السيارات تتوقف والمشاة يقصدون أقرب مخبأ، العاصفة الترابية تصل وتضرب بشدة المنطقة وذلك حوالي الساعة الخامسة والنصف بتوقيت عنيزة، قادمة من الشمال الغربي حاملة معها أطنان الرمال لمئات الأمتار ارتفاعاً وبسرعة عالية، أبدلت النهار إلى ماهو اشد من الليل بأقل من 60 ثانية (انظر شكل رقم 1). الناس أصابهم الهلع الشديد والارتباك وسط ظلمة لم تكن بالحسبان أبقت كل راجل أو راكب مكانه لمدة حوالي 45 دقيقة تقريباً، وهي فترة الظلام الدامس حيث أشعلت الإضاءة الخارجية دون جدوى بسبب كثافة الرمال وانعدام مدى الرؤية إلى أقل من 5م خلال الدقائق العشر الأولى. وانقطعت الكهرباء في بعض الأحياء مما زاد في خوف وهلع الناس (ظلمات بعضها فوق بعض) ظلمة السحاب الطبقي وظلمة العاصفة الرملية وظلمة انقطاع الكهرباء. صراخ الأطفال خوفاً وهلعاً يُسمع في بعض البيوت، بعض النساء تبكي وألسنتها تلج بالاستغفار والتوبة. الغبار يتسلل إلى البيوت بكثافة غير مشهودة في تاريخ هذا الجيل مما دفع بعض الناس لوضع الكمامات على الوجه وبعضهم مناديل مبلله بالماء وذلك داخل المنازل ...، أصوات صفير الرياح تملا المكان وتضيف رعباً على رعب الظلام، حبات الرمل تصطدم بالنوافذ والأبواب والمكيفات بصورة مخيفة، مدى الرؤية داخل البيوت بدأ بالتناقص بسبب تسلل ذرات الغبار الدقيقة،  رسائل الجوال تُرسل بالآلاف نصها (ما يحدث في الجو اليوم آية من آيات الله ... فلنكثر من الاستغفار يرحمكم الله ... قال تعالى (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) ...، الناس تعج بالتكبير والاستغفار، الجهات الحكومية ذات العلاقة تعلن حالة الاستنفار، الأسواق شهدت حالة من الارتباك حيث النساء والأطفال في العراء، أشجار ولوحات إعلانية تتساقط مسارات وطرق تغلق، صلاة المغرب تُجمع مع العشاء ولأول مرة بسبب عاصفة رملية وذلك لتدني مدى الرؤية وصعوبة الحركة وخطورتها. بعد صلاة المغرب مدى الرؤية بدأ بالتحسن الخفيف، بعد العشاء رياح شمالية وشمالية غربية كنست بعض الرمال من أعلى المنازل والشوارع، وقت الفجر أجواء عادية جداً.
 
تلكم مجريات ما حدث يوم الثلاثاء والعاصفة الرملية تلك سجلت أرقاماً قياسية وفقاً لحديث المعمرين من الشيوخ فقد أجمعوا أنهم لم يشاهدوا مثلها خلال حياتهم، كما أن العاصفة سجلت أقل مدى للرؤية، كما سجلت أكبر كم من التراب المنقول، أيضاً سجلت أطول وأشد ظلمة استمرت حوالي 45 دقيقة، بعض المسافرين من القصيم إلى الرياض ظلوا حوالي ثلاث ساعات دون حركة، وبعضهم قطعوا المسافة بين الرياض والقصيم بسبع ساعات بزيادة أربع ساعات عن المعدل الطبيعي.
 
 
ماهية العاصفة الرملية Dust storm:
عبارة عن رياح عاصفة محملة بذرات ترابيةوغبار منقولة من قشرة الأرض السطحية المفككة. وتعتبر العواصف الرملية من الكوارث الطبيعة التي تخلف الكثير من الحوادث والتلفيات على كافة مستويات النشاط البشري، والعاصفة الترابية ظاهرة مترولوجية شائعة تحدث في كثير من بقاع العالم الصحراوية كالجزيرة العربية والشرق الأوسط بشكل عام وشمال أفريقا ووسط آسيا واستراليا والولايات المتحدة الأمريكية بل ورصدت عواصف ترابية عظيمة جداً فوق كوكب المريخ بصورة أعظم بكثير من العواصف الأرضية فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ. والعاصفة الترابية تحدث عند توفر شرطين أحدهما: تربة جافة ومفككة عارية من الغطاء النباتي والشرط الثاني سرعة الرياح.
 
وميكانيكية نشوء العاصفة الترابية نتيجة لتيارات الحمل التي تحدث بعد تسخين شديد لسطح الأرض، فيصبح الهواء فوق سطح الأرض حاراً ومن ثَم يصعد إلى أعلى بشكل تيارات حملانية. مما يسبب خلق اختلافات في الضغط الجوي والحرارة، بسببها تندفع رياح ابرد نسبياً إلى مل الفراغ في الموقع الأمر الذي يثير الغبار ويحمل حبات الرمل إلى أعلى بمستوى يتناسب مع قوة الرياح وجفاف وتفكك التربة والله أعلم. كما أن التنبوء بحدوث عواصف ترابية ليس بالصعب في ظل توفر معطيات مترولوجية واسعة ومعرفة الظروف الجغرافية المحلية.
 
شكل رقم 1
 
 
والعاصفة الرملية أو ما يسمى بالجدار الترابي هي مجموعة حبيبات رملية معدنية المصدر في الأغلب عالقة في الهواء بارتفاع قد يصل إلى عدة مئات من الأمتار وبعرض عشرات وأحياناً مئات الكيلومترات، وبدرجة تركيز تختلف وفقاً: لجهة القدوم، سرعة الرياح، جفاف المصدر وقد يصل التركيز إلى الآلاف من الحبيبات لكل سنتيمتر مكعب كما الحال في عاصفة يوم الثلاثاء 2 مايو. كما تقوم الرياح بنقل كميات هائلة عشرات الملايين من أطنان الرمال كل عام وتقذفها في أماكن مختلفة فوق الأرض وأحيانا فوق البحر. وربما نقلت الرياح تلك الحبيبات من الرمل وخاصة الدقيقة جداً عشرات الآلاف من الكيلومترات من مصدرها الأصلي كما يحدث عندما تُصدر الصحراء الكبراى الواقعة شمال أفريقيا بعضاً من ذراتها الترابية إلى قارة أوروبا التي قد يصل إلى شمالها وأحياناً باتجاه الغرب فوق المحيط الأطلسي (شكل رقم 2).
 
 
 
شكل رقم 2
 
 
مصادر الغبار والرمال:
أهمها على الإطلاق ذرات دقيقة من التراب مصدرها قشرة الأرض السطحية المفككة (التربة) وهو مصدر معدني. ومصادر الرمال الرئيسة في السعودية الربع الخالي، النفود الكبير، الدهناء، الجافورة. المصدر الثانوي ذرات دقيقة أصلها نباتي وخاصة من المزارع وهي لا تشكل نسبة تذكر.
 
تحرك العواصف الرملية:
تنقل الرياح بإذن الله تعالى تلك الحبيبات الرملية من مكانها الأصلي إلى جهة أخرى وفقاً لمراكز الضغط الجوي وقد تصل إلى مئات الكيلومترات وأحياناً عشرات الآلاف من الكيلومترات كما الحال في الصحراء الكبرى في أفريقيا ومن ثَم تترسب الحبيبات المنقولة في موطنها الجديد بعد هدوء الرياح.
 
متى تتحرك الرمال؟
حركه ذرات الرمل وتطايرها تتوقف على سرعة الرياح فكلما كانت الرياح سريعة قلت قدرة الرمال على المقاومة حتى إذا ما وصلت سرعة الرياح إلى السرعة الحرجة تحركت حبات الرمل وتطايرت بسرعة الرياح خاصة إذا كانت حبات الرمل صغيرة الحجم. وكلما تعاظمت سرعة الرياح كلما حملت معها كميات أكبر وأحجاماً أكبر من الرمال حتى تصبح عاصفة رملية تكسو وجه الأرض ببساط ترابي مزعج. وتجدر الإشارة إلى أن السرعة الحرجة تختلف وفقاً لحبات الرمل السائدة وأحجامها (5-16 متراً بالثانية) وحيث تدخل الإنسان في تفكيك التربة عبر مناشطه المختلفة ساهم ذلك والله أعلم بشكل سلبي عبر تقليل سرعة الرياح الحرجة الأمر الذي أدى إلى توالي وتكاثر حالات العواصف الرملية في العقود الأخيرة، هذا من جهة ومن جهة أخرى قلة سقوط المطار وجفاف المنطقة كعامل طبيعي.
 
المطر و العواصف الرملية:
أحياناً يعقب أو يصاحب تلك العواصف الرملية أمطار سيما وأن العواصف غالباً ما تتولد بإذن الله تعالى في مقدمة المنخفض الجوي Depression  الجبهة الدافئةWarm Front وكذا بمؤخرة المنخفض الجوي الجبهة الباردةCold Front  (شكل رقم 3) وبالتالي تكون الأمطار في بدايتها ملوثة بذرات الرمل والطين وذات لون بني أو أحمر حيث تقوم قطرات الماء بتنقية الجو من تلك العوالق وكلما كانت الأمطار كثيفة كلما تخلص الجو من كميات أكبر من العوالق الترابية وبالتالي يقوم المطر بدور إيجابي في تسريع نهاية العاصفة وتقليل فترة طيران الحبيبات فوق سطح الأرض وهذا غاية ما يتمناه الناس حيث الدور المزدوج للمطر تنقية الجو وتنظيف للأرض. وفي حالة عدم وجود مطر مصاحب لتلك العاصفة الترابية فإن العاصفة تأخذ دورها في النمو بشكل كامل (مرحلة الصبا، يليها مرحلة النضج، وأخيراً مرحلة الشيخوخة) – دون تدخل مطري – وكل مرحلة تمتد لدقائق أحياناً أو لساعات أحيانا أخرى وربما لأيام وهذا نادر. وبالنظر للشكل رقم 4 المصاحب نجد والله أعلم أن عاصفة الثلاثاء الترابية جاءت مصاحبة للجبهة الباردة.
 
 
 
شكل رقم 3
 
 
ألوان العاصفة الترابية:
لون العاصفة الترابية يتوقف على عاملين الأول : لون ذرات التراب المحمولة جواً والشائع هو اللون الرملي، البني، البرتقالي، الأحمر، أو الأسود وفقاً لمصدر الرمال. ثانياً: تشتت Scattering ألوان الطيف ذات الموجات الطويلة كالأحمر، الأصفر والبرتقالي بفعل ذرات الغبار العالقة في الجو كما أن وجود سحاب سابق للعاصفة يساهم في تحويل اللون إلى الأسود.
 
شكل رقم 4
 
دور العواصف الرملية في تغيير الطقس:
العواصف الرملية تقوم بدور كبير ودراماتيكي في تغيير الطقس من حال إلى حال كما هو مشاهد ومحسوس. منها أولاً: حجب ورد أشعة الشمس الضوئية والحرارية نسبياً أو كلياً (100%) كما حصل في عاصفة الثلاثاء أن تصل إلى سطح الأرض، مما يؤدي إلى ثانياً: انخفاض في درجة الحرارة بشكل ملحوظ. ثالثاً: تدني مدى الرؤية إلى أقل من 1000متر لتكون عاصفة رملية فكيف إذا بلغت أقل من 5 متراً كما حصل في العاصفة الأخيرة وهذا نادر. رابعاً: تقوم بدور تلقيح السحاب حيث تصبح ذرات الهباء المرتفعة بمستوى السحاب نواة تتجمع حولها ذرات الماء حين تتكثف السحب. خامساً: الرمال المنقولة بفعل العاصفة عامل من عوامل تلوث الجو. ومن حكمة الله تعالى ورحمته بعبادة ومخلوقاته أن فترة العاصفة الرملية قصيرة ولو افترضنا جدلا أن استمرت العاصفة الرملية والتي بحجم عاصفة الثلاثاء الأسود أسابيع فوق الجزيرة العربية لبردت الأرض بشكل تدريجي حيث مصدر الحرارة (الشمس) محجوب بشكل كلي تقريباً، ومن ثَم تستنفذ حرارة الأرض المكتسبة من الشمس يوما بعد يوم ومنها تتجمد أرض الجزيرة فيهلك الزرع والحيوان وربما الإنسان. وهذه فرضية حدوث العصر الجليدي الذي جاء نتيجة لفترة نشاط بركاني هائل حجب بغباره أشعة الشمس لفترة طويلة والله سبحانه أعلم وأرحم. وهناك مثال قريب حدث عندما عمد النظام العراقي بحرق مئات من آبار النفط الكويتية مما شكل سحابة سوداء فوق الكويت لأيام عديدة مما نتج عنه انخفاض شديد في درجة الحرارة حتى استخدمت سخانات الماء في فصل الصيف وفي شهر أغسطس بل وشعر الناس بالبرد.
 
وقت العواصف الرملية:
قد تحدث ظاهرة العواصف الرملية في أي وقت في السنة فوق الأراضي السعودية فيما إذا توفرت شروطها، إلا أنها تزداد في فصل الربيع وأوائل فصل الصيف بسبب ظاهرة عدم الاستقرار التي تمر بها أجواء السعودية وذلك أن فصل الربيع يعتبر مرحلة انتقالية بين فصلي الشتاء والصيف وتبدل لمراكز الضغط الجوي إيذاناً بدخول وقت فصل الصيف. وخلال فصل الربيع يستمر عبور المنخفضات الجوية القادمة من الشمال الغربي للجزيرة العربية (أنظر شكل رقم 5) والتي تسبب في معظم الأحيان نشؤ عاصفة ترابية مصحوبة بعواصف رعدية. وتبدأ العاصفة الترابية في الأغلب بعد فترة وجيزة من بلوغ درجة الحرارة أعلاها وذلك وقت العصر ووفقاً للبيانات فإن معظم العواصف الرملية تبدأ آخر النهار.
 
الغبار المحلي والمنقول:
يلاحظ البعض أحياناً أن ستاراً من الغبار الرفيع يغطي السماء دون أي نشاط يذكر للرياح السطحية وتفسير ذلك أن الغبار منقول من مكان آخر وحُمل إلى طبقات الجو العليا أثناء العاصفة خاصة الذرات الغبارية الدقيقة، فلما هدأت الرياح السطحية بقي الغبار معلقاً في الجو فتقوم الرياح العلوية بحمل الغبار ومن ثَم تسقطه بشكل هادئ على الأرض علما أن ذرات هذا النوع من الغبار تكون جداً صغيرة. أما الغبار المحلي فهو نتاج حركة سطحية للرياح المحلية المحسوسة.
 
 
شكل رقم 5
 
أضرار وأخطار العواصف الرملية:
تشكل العواصف الرملية تحدياً كبيراً للإنسان إذ أنه لا يستطيع التحكم بها ولا التخفيف من حدتها بشكل عملي كما لا يستطيع تغيير مسارها وبالتالي تشكل خطراً يتعاظم مع حجم وسرعة العاصفة وتتنوع تلك المخاطر والأضرار والتي منها: توقف الرحلات الجوية وتغيير مسارها، توقف النقل البري وازدياد الحوادث، أضرار بالممتلكات، أضرار بالمزروعات، تلوث الهواء، إنفاق أكثر على تنظيف البيوت والسيارات والطرق، زيادة في معدلات استهلاك المياه، ومن الناحية الصحية التهاب المسالك التنفسية لدى المرضى الذين يعانون من الربو وحساسية الأنف والصدر، شعور نفسي سيئ ينتاب الإنسان، كما يؤدي استمرار العواصف الرملية عدة أيام إلى هلاك الإنسان في الصحراء كما الحيوان والتاريخ يشهد بقصص جيوش هلكت بسبب عواصف رملية متصلة، وأختم بمقولة أحد القادة العسكريين الأمريكيين إبان الهجوم البري على بغداد حيث قال: لم نكن نتوقع تدخل الجنرال "غبار" في مجريات الحرب.
 
التوجيه الشرعي:
لاشك أن كل ظاهرة طبيعية نادرة أو غير مألوفة هي آية من آيات الله تعالى يدرجها بين الحين والآخر لحكمة يريدها سبحانه وتعالى وليخوف الله بها عباده، ويحي بها القلوب الميتة، ويوقظ بها الأحاسيس والضمائر لتعود وتأوب كما حصل لكثير من سكان المناطق التي عصفت بها العواصف الرملية يوم الثلاثاء الماضي. إنها تذكرنا بمشاهد يوم القيامة حيث العلامة الكبرى الدخان، كما تذكرنا بمشاهد العذاب والانتقام حيث عذب الله بها أقوام و كان صلى الله عليه و سلم إذا اشتدت الريح يسأل الله تعالى خيرها و خير ما أرسلت به و يستعاذ به من شرها و شر ما أرسلت به و قد كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا رأى ريحا أو غيما تغير وجهه و أقبل و أدبر فإذا أمطرت سري عنه و يقول : (قد عذب قوم بالريح)، و رأى قوم السحاب فقالوا هذا عارض ممطرنا...