• الأربعاء, 02 ذو القعدة 1438
  • |
  • 26 تموز/يوليو 2017


  • 9,839 قراءة
  • 3 تعليق
  • 3 طباعة

 

 

د. عبدالله المسند*

:. يمثل الحفاظ على مقومات البيئة الطبيعية بعناصرها المختلفة مطلباً دينياً ووطنياً ملحاً تجهد لتحقيقه كافة الدول المتحضرة عبر اعتمادها على نشر الوعي البيئي من جهة وتسخيرها لمعطيات العلم والعمل من جهة أخرى؛ كيما يتسنى لها العيش في كنف بيئة متوازنة تحمل السعادة لسكانها حاضراً ومستقبلاً .. وبينما نحن على أبواب إجازة الربيع، والكثير من الناس تستعد للخروج للبر والتخييم .. حملنا جملة من الأسئلة في هذه المناسبة لتطرحها على الزميل الدكتور عبدالله المسند عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم، والمشرف على جوال كون.
 
لماذا السعوديون على وجه التحديد أكثر من غيرهم حباً وارتياداً للصحراء؟
:. فعلاً .. السعوديون مهووسون بالصحراء وأجوائها، وشغوفون بارتياد البراري وأكنافها، وهذا يعود إلى عوامل عدة: كلفة التنزه البري متدنية، سيما وأن الجميع يساهم بحصته (وقطته)، توفر المركبات خاصة سيارات الدفع الرباعي، أيضاً عامل اجتماعي وهو حبنا للاجتماع، وأنس بعضنا ببعض، استتباب الأمن في ربوع الوطن، اتساع وقت الفراغ لدى الكثيرين على وجه العموم، قِصر فترة الشتاء في السعودية، جمال الصحراء إبان فصل الشتاء والربيع.

التيه بالصحراء:


من وقتٍ لآخر نُفجع بأخبار محزنة، وقصص مبكية عن ضحايا التيه في الصحراء، والضياع في البيداء فما هي توجيهاتكم لرواد البر؟
:. في معظم الحالات قد يجني الإنسان على نفسه، فالقصور في أخذ احتياطات الأمن والسلامة والصحة، يكاد يكون شبه معدوم، وبعض الناس بسبب جهله، أو حمقه يعْتد بقدراته، وخبراته، وإمكاناته في قطع الصحاري والفيافي دونما الأخذ بالاحتياطات المرعية والواجبة شرعاً وعقلاً {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} لذا أهيب بالمكاشيت ومن يسلك الطرق الصحراوية الطويلة والنائية أن يعد العدة لمفاجآت الطريق، ولأي طارئ، كالاستزادة بالماء والطعام، وأجهزة الملاحة، والهاتف الفضائي (الثريا)، وتفحص السيارة، ووقود احتياطي، وشنطة إسعافات أولية، ومستلزمات الرحلات البرية المعروفة، وإخبار قريب أو صديق عن رحتلك ومسارك، وحَمُل خريطة، والسؤال عن الطريق، واستطلاع المنطقة عبر برنامج قوقل إيرث ما أمكن، أو الخرائط لمعرفة جغرافيتها وما حولها من معالم طبيعية أو بشرية، وأخيراً أن يصطحب معه صاحب، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن سفر الإنسان بمفرده (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ)، وهذا يتأكد في السفر على الطرق البرية أكثر من المعبدة ... ومن نظر في العواقب أمِن المصائب ... للمزيد .


 


المهرجانات الربيعية:

 

المهرجانات الربيعية والتي تقام في المتنزهات البرية، كان لك موقفاً منها؟
:. في الواقع المهرجانات الربيعية التي تقام في المتنزهات البرية هي فوضى بيئية!!، إذ كيف يغيب على المخططين، أن إقامة المهرجانات الربيعية في المتنزهات البرية، وما يصحبها من نشاط وعروض ومسابقات وأسواق.. الخ ، تجلب وتدفع عشرات الآلاف من الناس إلى متنزهات بيئية ذات خصائص مميزة وفريدة، وهي في الوقت نفسه متنزهات شحيحة وفقيرة لا تتحمل هذه الأنشطة والحراك، ومن ثَم تعيث الجهات المُشغِلة لتلك المهرجانات فساداً في البيئة، في قلع الأشجار، وفتح الطرقات، وإقامة المواقف، وبناء الأسوار والأبواب، والمكاتب، والدور، والمحلات، والمضامير، حتى باتت تلك المهرجانات كالقرية الصغيرة التي زُرعت في وسط بيئي جميل، فحطمته أو على الأقل شوهته، وبعد ما تؤدي هذه الجهات المشغلة للمهرجانات دورها في الإعداد للمهرجان الربيعي الترويحي على حساب مقدرات المكان البيئية، يأتي عشرات الآلاف من الناس فيعبثون بمقدرات المكان وما حوله، حتى أضحت المتنزهات البرية مصابة بخلل في التوازن، ناجم عن نشاط بشري غير مسؤول لا يستطيع بعض أفرادها أن ينظروا إلا لأبعاد ثلاثة الترفية والإعلام والاستثمار، أما ما مصير المكان فهذا لا يعنيهم، غير مكترثين بأبعاد نتائج الإفساد البيئي الشرعية والطبيعية والحضرية و "من نظر في العواقب سلم من النوائب".


 


سلبيات المتنزهين:

 

 

وأنت ناشط بيئي ومختص جغرافي ما هي أبرز سلبيات المتنزهين في البر؟
:. هناك فئة ـ بدأت ولله الحمد تتقلص ـ لا يتأدبون بأدب الرحلات، ولا يكترثون بحماية البيئة الطبيعية، وفقاً لأوامر الشريعة الإسلامية، هؤلاء يمارسون هوايتهم في الإفساد في الأرض، مثل ترك النفايات مبعثرة دون مبالاة أو رادع ديني أو وطني أو عقلي، ومنها قطع الأشجار المعمرة كالطلح والسمر والسدر والغضا ونحوها، ومنها التفحيط فوق أديم الأراضي المعشبة، والفياض المزهرة، ومنها صيد وقتل كل ما يدب في الأرض ويطير في السماء، حتى الخفاش لم يسلم منهم، فإن لم يجدوا شيئاً عمد بعضهم إلى وضع قوارير زجاجية كهدف يرميه، وهؤلاء المفسدون في الأرض لا يعلم أكثرهم أنهم يبصقون في الإناء الذي يشربون منه، ومصيرهم هو العودة للمكان نفسه مرة ثانية، وفي الحديث (من آذى المسلمين في طُرُقِهم، وجبتْ عليه لعنتُهم) وقال عليه الصلاة والسلام (مَا مِنْ إنسان يقتل عصفورًا فما فوقها بغير حقّها، إلا سأله الله عز وجل عنها يوم القيامة، قيل: يا رسول الله، وما حقُّها؟ قال: "حقُّها أن يذبحها فيأكل، ولا يقطع رأسه فيرمي به) ، ومن المتشبهين بالصياديين من يقتحمون المزارع من أجل عصفور، ومن سلبيات بعض المتنزهين أنهم يضايقون العوائل بالنظرة المتسمرة، ومنهم من يكتب ذكرياته على الآثار والصخور واللوحات الإرشادية مشوهاً الموقع والمكان.


 

 
الاحتطاب:

 

أنت ذكرت من أنواع الإفساد قطع الأشجار! ألم يتوقف الاحتطاب الجائر بعد صدور قرار وزارة الزراعة؟
:. استبشر الجميع بصدور قرار منع الاحتطاب من قِبل وزارة الزراعة في إطار مكافحتها للتصحر قبل أكثر من ثلاث سنوات، وإعطاء مهلة لتصريف الموجود بالسوق ومن ثم تطبيق القرار بدأ من 1/1/1430هـ، ومن ثم البدء باستيراد الحطب من الخارج، وهو بالمناسبة معفي من الرسوم الجمركية، في الواقع أن هذا القرار موفق، ولكن تفاجأ الجميع مع الأسف بأن القرار لم يحظ بالمتابعة والتطبيق المطلوب، إذ يوجد احتطاب جائر وجشع في عشرات الأودية، خاصة في القطاع الغربي من المملكة، والجنوب الغربي، حيث الأودية التي يتكاثر بها الطلح والسمر ونحوهما، وأسواق الحطب المحلي تنتشر في كل مدينة وقرية علناً، بل ويكشف لك البائع عن مصدر جلب الحطب المحلي، حتى أصبحت السيارات الناقلة للحطب المحلي تسير بالطرق في وضح النهار، وهذا مؤشر على ضعف هيبة الجهات المسؤولة عن التطبيق والمتابعة والمساءلة، ويُدرك الجميع خطورة المضي في تعرية الأرض من الأشجار، وإحداث الخلل البيئي في المنطقة، نحن نطالب وزارة الزراعة إلى الذهاب إلى أبعد من منع الاحتطاب، ذلك وهو البدء بمشروع وطني حضري بيئي لزراعة الأودية بشجر السدر والطلح والسمر وغيرها من الأشجار الصحراوية المحلية، وذلك وفق برنامج وطني طويل الأمد، ولنا في الإمارات مثل.


  
لماذا أصبحت بعض متنزهاتنا البرية أثراً بعد عين؟
:. أعتقد أن مشكلة تدهور مقومات الجمال الطبيعي لمتنزهاتنا البرية، وتدهور الغطاء النباتي، وما يترتب عليه من تصحر وزحف للرمال واختلال في التوازن البيئي، وكثرة الغبار، إلي جملة أسباب منها: السيارات الجوالة، والدبابات، وعملية الاحتطاب؛ ولهذا غدت بعض متنزهاتنا مجرد طرق وجواد وأتربة مفككة وأشجار مكسرة ونفايات مبعثرة وغبار متطاير تعكس لنا عن علاقة متوترة متأزمة بين الإنسان وبيئته، التي تحتضر وتئن تحت وطأة "فوضويين" يزعمون أن الله سخرها حصرياً لهم.
  
الرعي:

 

وماذا عن الرعي والرعاة؟
:. من خلال التأمل الميداني في الغطاء النباتي الفقير في بلادنا الصحراوية، أحسب أن الرعي يتحمل على الأقل 85% من مشكلة التصحر، إذ أُجهد الغطاء النباتي الحولي، والدائم على حد سواء، في بيئتنا الفقيرة أصلاً في مقوماتها، وصارت ملايين من الرؤوس الحية تمشط مساحات فقيرة، فلا تُبقي ولا تذر، حتى جعلت الصحراء قاعاً صفصفاً، لا ترى في عوجاً ولا أمتا، ومن شاهد المحميات والأراضي المشبكة وجد الفرق الواضح الفاضح، هذا من جهة ومن جهة أخرى أمطارنا شحيحة قليلة فساهم العامل البشري السلبي المتمثل بالرعي الجائر، مع العامل الطبيعي إلا أن تكون صحرائنا جرداء تعصف بها الرياح في أدنى حركة لها، لتبني لنا جداراً من الغبار، الذي يُصبح في عرعر، ويُضحي في القصيم، ويُمسي في الرياض .. قل هو من عند أنفسكم.
  
التخلص من النفايات في البر:

 

الكثير يسأل ما الطريقة المثلى في التخلص من النفايات في البر؟
:. بعض المتنزهين يتركها مبعثرة كما هي، وهذا ديدنه في بيته وسيارته ومكتبه (غير نظيف)، وبعضهم يحرقها فيتخلص من معظمها وتبقى آثارها لعدة أسابيع أو أشهر، ولا أنصح بهذه الطريقة سيما مع احتوائها على المواد الصلبة، والأرض قد لا تنبت في موضع الحرق، وبعضهم يجمعها ويدفنها في مكانها، وهذا قد يكون جيداَ، ولكن الأصوب جمعها ثم نقلها معك لأقرب حاوية، وهذا عمل يُحمد شرعاً وعقلاً، قال عليه الصلاة والسلام: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له)
:. ويُشار إلى أن بعض المتنزهين يصطحب معه ذبيحته إلى البر ويذبحها حيث أقام على جانب وادي جميل، أو في فيضة مزهرة، أو في روضة موردة، أو تحت شجرة مورقة، ومن حيث لا يشعر يساهم في تلويث وتوسيخ المكان بمخلفات ذبيحته، والتي ربما يتركها تحت شجرة أو نحوها، لتبقى نتنة لأشهر! حارماً نفسه وغيره منافع المكان لعدة أسابيع، فيؤذيهم دون أن يشعر، أليس من الحكمة أخذها مذبوحة وتوفير الوقت والماء؟


  
التغيير بأيدينا

 

هل هناك آلية لتغيير بيئتنا أو على الأقل الحفاظ عليها؟
:. باختصار .. لو تعلمنا وطبقنا التوجيهات الدينية الراقية والواقية في هذا الخصوص لسلمت بيئتنا، هذا من جهة ومن جهة أخرى عشرات الآلاف من الناس يخرجون للبر بشكل دوري، وبيئتنا الصحراوية فقيرة بأشجارها كما يعلم الجميع، فتخيل معي لو كل واحد أحضر مجموعة بذور للأشجار البرية كالطلح والسدر والغضا والرمث وغيرها، أو العرعر والزيتون البري في المرتفعات الجنوبية الغربية، ثم زرعها في بيته، عبر كيسان أو أكياس بلاستيكية، ثم رعاها لشهرين أو يزيد، ثم نقلها وزرعها في البر، مرة أخرى أتساءل: كيف سيصبح البر بعد 10 سنوات؟ قال رجل البيئة الأول المعلم محمد صلى الله عليه وسلم: (لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا شيء، إلا كانت له صدقة)، وأتمنى من وزارة الزراعة ممثلة بإدارة المراعي والغابات، أو جهة تجارية، أو تاجر متطوع أن يتبرع باحتضان هذا المشروع الديني الوطني البيئي.
  
كلمة أخيرة في ختام اللقاء؟
:. ناديت في لقاء سابق في صحيفة الرياض بتوصيات عاجلة تكفل بإذن الله تعالى إيقاف التدهور البيئي ولو جزئياً، وإعادة أوديتنا ومنتزهاتنا لطبيعتها التي فطرها الله عليها وذلك من خلال ما يلي: إنشاء "الشرطة الخضراء" العلنية والسرية لحماية المتنزهات البرية، وهنا أشيد بمديرة الزراعة بمحافظة عنيزة حيث طبقت الآلية في محمية الغضا في وقت مبكر، حتى أصبحت شجرة الغضا تزاحم الناس لا العكس، ومن التوصيات: زيادة عدد ومساحة المحميات الطبيعية من فياض ورياض وأودية من قبل وزارة الزراعة، الحد من انتشار الدبابات وتضييق الخناق عليها بيعاً واستئجاراً، سن وتفعيل القوانين والتشريعات الرادعة عن عبث العابثين، قال الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: " والشرع أتاح لولي الأمر فرض بعض العقوبات التعزيرية التي من الممكن اللجوء إليها في عصرنا الحالي لمن يسيئون إلى البيئة "، وأخيراً استمتعوا ببيئتكم الصحراوية الجميلة وفق الآداب المرعية، والمعطيات البيئية، والنظم الوطنية، والله يبارك بالجميع.

   

 

رابط المقالة بجريدة الرياض ...

مواضيع ذات صلة  1  2  3

 

 

*عضو هيئة التدريس بقسم الجغرافيا بجامعة القصيم ، والمشرف على جوال كون.
2012-01-15م     1433-02-21هـ

  www.almisnid.com
almisnid@yahoo.com