• الاثنين, 13 شوال 1440
  • |
  • 17 حزيران/يونيو 2019


  • 30,501 قراءة
  • 2 تعليق
  • 29 طباعة
رياح البوارح أثرت صحياً واقتصادياً على المنطقة الشرقية

عاش سكان المنطقة الشرقية على وجه الخصوص وبعض دول الخليج العربي أياماً مفعمة بالغبار من بداية شهر يونيو تقريباً إلى هذا الأسبوع، واتسمت العواصف الرملية وموجات الغبار بأنها شديدة وكثيفة ومتواصلة في هذا الموسم.. لذا فقد كانت تغيرات المناخ وتقلبات الطقس اليومية مادة يومية أشغلت الناس في مجالسهم ومنتدياتهم واعمالهم، سيما أن حديثهم اليوم عن الأجواء الملوثة بالعوالق الترابية وأثاراها السيئة على الصحة وخطورتها على وسائل النقل وآثارها السلبي صحياً وعلى النشاط الاقتصادي والتنموي.

ال"الرياض" التقت الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن المسند رئيس المجموعة التخصصية للمناخ والبيئة والمياه بالجمعية الجغرافية السعودية في حوار موجز حاولنا من خلاله استعراض هذه الظاهرة المناخية (رياح البوارح) بشكلها العلمي كيف ومتى وأين تحدث؟.

 البداية هل تحدثنا عن رياح البوارح وبدايتها هذا العام؟

- كانت بداية رياح البوارح هذا الموسم بداية مبكرة وقوية ونشطة ومتواصلة، وآثارها السلبية الصحية والاقتصادية محسوسة، وتأتي هذه القوة بسبب تمركز منخفض استوائي عميق فوق بحر العرب بداية شهر يونيو ولعدة أيام كاد أن يتطور ليصبح إعصاراً، وعمق المنخفض الاستوائي هذا فاقم من انحدارات الضغط الجوي الأمر الذي سرع في سرعة الرياح حتى تطاير الغبار وتعاظم.. وتحليلات المعطيات المناخية الرقمية لمسرح رياح البوارح الجغرافي وهي المنطقة الشرقية وبعض دول الخليج العربي واستقراءً للموروث الشعبي والتاريخي في المنطقة فإنها تشير إلى أن الرياح الشمالية الغربية تبدأ نشاطها بإذن الله تعالى في حدود العشر الأول من شهر يونيو في كل عام حتى العشر الأخير من شهر يوليو، وهذا يتزامن مع ما يسمى محلياً بموسم البوارح وتسمى أيضاً مربعانية الصيف، والتي تبدأ من ظهور طالع الثريا في 7يونيو ولمدة أربعين يوماً تقريباً. وإحصائياً ثبت أن العواصف الرملية والغبار يزداد إبان مربعانية الصيف في المنطقة الشرقية خاصة وحوض الخليج العربي الشمالي بشكل عام، وتبلغ رياح البوارح أوجهها في النصف الثاني من شهر يونيو.

 بما ذا تتسم رياح البوارح؟

تتسم رياح البوارح الشمالية الغربية أنها لا تستمر على نمط واحدة بل لها موجات زمنية تنشط فيها قد يصل طولها من 3- 10أيام، ثم تهدأ الرياح بإذن الله تعالى وتصفو الأجواء لبضعة أيام، ثم لا تلبث أن تعود لنشاطها مرة أخرى وهكذا دواليك ولله في خلقه شئون، علماً أن الموجة الأولى هذا الموسم استمرت حوالي أسبوعين مفعمين بالغبار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأحوال الجوية بما فيها رياح البوارح لا تتكرر زمانياً ولا مكانياً ولا شكلاً وفق نمط وقالب واحد لا يتغير قيد أنملة كل سنة، ولكن الحالة الجوية قد تتقدم أو تتأخر بضعة أيام، وربما تتسع أو تضيق مكانياً، أو تشتد وتضعف بين سنة وأخرى وبالتالي لا مشاحة في التحديد الزمكاني.

 هل تؤثر رياح البوارح على منطقة الرياض؟

- مسرح نشاط رياح البوارح يتجاوز المنطقة الشرقية إلى أجزاء من المنطقة الوسطى بمافيها منطقة الرياض والمنطقة الشمالية الشرقية من السعودية وأيضاً حوض الخليج العربي حيث يمتد نشاط الرياح إلى البحرين وقطر والكويت والعراق وجنوب شرق إيران وشمال سلطنة عمان أيضاً.

 ماهي الآثار السلبية لهذه الرياح؟

- تدني مدى الرؤية الأفقية أحياناً إلى أقل من 400م مما يشكل خطورة بالغة في حركة وسائل النقل البرية والجوية والبحرية على حد سواء وتسبب أمواجاً قد يصل ارتفاعها إلى 3م مما يشكل خطورة على ملاحة سفن الصيد الصغيرة وتلوث الأجواء بالعوالق الترابية والتي تصل أحياناً إلى 1كم ارتفاعاً بينما العوالق الصغيرة والهباء قد تصل إلى 4كم ارتفاعاً، وارتفاع أعداد مراجعي المستشفيات بسبب أمراض الحساسية والربو تساهم في تسريع زحف الرمال على المناطق الحضرية والمزارع والطرق وخسائر مادية جراء عمليات تنظيف المباني والطرق.

 ماهي أسباب رياح البوارح؟

- يعتبر الضغط الجوي من أهم عناصر الطقس المؤثرة على أجواء المملكة ونرى آثاره غير المباشرة عبر تحريكه للرياح من منطقة الضغط المرتفع إلى منطقة الضغط المنخفض. إذ أن المحرك للرياح بشكل عام هي الفروقات في قيم الضغط الجوي من مكان إلى آخر ما بين منخفض ومرتفع وكلما زادت الفروق بينهما تعاظم انحدار الضغط الجوي ومن ثم زادت سرعة الرياح، لذا فإن سبب رياح البوارح بإذن الله تعالى هو العمل المزدوج من أولاً: منخفض الهند الموسمي الذي يبدأ تأثيره بإذن الله تعالى في نهاية فصل الربيع ويتمركز فوق غرب الهند وأجزاء من بحر العرب وخليج عمان، وهذا المنخفض عبارة عن كتلة هوائية حارة بسبب تعامد الشمس على المناطق المذكورة، ومن ثم ترتفع درجة الحرارة ومنها تنخفض درجة الضغط الجوي وتصبح المنطقة مخلخلة هوائياً تنجذب إليها الرياح من أقرب مرتفع جوي.. ثانياً مرتفع جوي ذو كتلة هوائية معتدلة يقع بشكل عام فوق شرق البحر المتوسط حيث تنطلق منه الرياح باتجاه منخفض الهند ولتعوض النقص الهوائي في منطقة منخفض الهند وهذا تكييف إلهي لتوزيع الحرارة والبرودة على وجه الأرض.

وتبدأ رياح البوارح بالضعف والتلاشي عندما تنصرف الشمس من تعامدها على مدار السرطان بعدة أسابيع حيث تبدأ درجة الحرارة بالارتفاع وتتسع دائرة منخفض الهند الموسمي شمالاً ويتحد مع منخفض أفريقي فوق الحبشة عبر الجزيرة العربية ليتشكل منخفض جوي واحد وواسع وعريض فوق العالم العربي الأمر الذي يؤدي إلى تغير اتجاه الرياح وقوتها والله أعلم.

 وماهي خصائص هذا النوع من الرياح؟

- رياح البوارح تنشط قبل منتصف النهار وتخف قبل منتصف الليل (غالباً) وترسب العوالق الترابية ليلاً، وهي جافة ومعتدلة الحرارة نسبياً والسماء خالية من الغيوم غالباً إلى جانب أنها نشطة ومثيرة للغبار قد تصل سرعتها إلى 60كم في الساعة وتتمركز حول حوض الخليج العربي وتنخفض الرطوبة الجوية على طول الساحل الشرقي وتسبب أمواجاً بحرية قد يصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار وتستمر طول مربعانية الصيف حتى منتصف يوليو.

 لماذا المنطقة الشرقية تتعرض لرياح البوارح بشكل اكبر من بقية المناطق؟

- لأن تضاريسها مستوية بوجه عام، وتخلو من المرتفعات الشاهقة لذا أتاحت الوضعية الطبوغرافية للرياح ألا تتكسر أو تضعف عند هبوبها من أو إلى المنطقة الشرقية، وهذا يساهم في سرعة الرياح السائدة ومن ثم تحريك الكثبان الرملية وإثارة الغبار. وأثبتت الدراسات المناخية أن تكرار ظاهرة العواصف الرملية والغبار في الأجزاء الشمالية من المنطقة الشرقية أكثر من الأجزاء الجنوبية. كما أثبتت الدراسات المناخية الإحصائية أيضاً أن العواصف الرملية تتعاظم في شهري يونيو ويوليو، أما العواصف الرملية التي تحدث في فصل الربيع وقبل موسم البوارح فتسببها بإذن الله تعالى الجبهات الهوائية الباردة والتي تتزامن مع المنخفضات الجوية المتوسطية الجالبة للمطر بإذن الله تعالى.

 وماذا عن الجانب التطبيقي في هذا السياق؟

- اقتراح على الرئاسة العامة للأرصاد الجوية وحماية البيئة بالسعودية، وغيرها من الدول ذات الظروف المشابهة بأن تكون أكثر دقة ومتابعة لتقلبات الطقس خلال ساعات اليوم، خاصة في موسم العواصف الرملية، وأن تتسلح بأحدث الوسائل والبرامج في هذا الاتجاه؛ لتعطي تحذيرات آنية ودقيقة وسريعة للجمهور، وأيضاً للجهات ذات العلاقة عبر وسائل الإعلام (وليس فقط عبر موقع الرئاسة على الانترنت!) كما اقتراح وهذا مكمل لما قبله لمحطات التلفزيون وأيضاً الإذاعة والصحف اليومية أن تتفاعل مع هذه التحذيرات الزمنية والمكانية، وأن تحذر المواطنين عبر علامات تحذيرية تظهر على الشاشة مباشرة بالنسبة للتلفزيون - دون الحاجة لقطع البرنامج - وأن يظهر التحذير بالدرجات والألوان التي تعكس خطورة الوضع من عدمه وأود أن أشيد بتلفزيون البحرين والكويت اللذان يتفاعلان بشكل يومي مع هذه الظاهرة وفي المقابل نجد الصمت في قنواتنا التلفزيونية السعودية!.

يذكر أن ظاهرة العواصف الرملية تعد من أسوأ وأخطر الظواهر المناخية في السعودية على الصعيد الصحي والزراعي والمالي، لذا فإنني أزعم أن تتبع ورصد العواصف الرملية، قبل وأثناء نشوئها، وتحذير المواطنين منها عبر التلفزيون والمذياع والصحف لأخذ الاحتياطات اللازمة ستحقق بإذن الله تعالى تدني في نسبة الأزمات الصدرية وعدد مراجعي المصحات الطبية، بل والفائدة تتجاوز ذلك إلى أخذ الاحتياطات اللازمة من الجهات ذات العلاقة كالمرور والنقل الجوي وغيرهما.

وكانت جريدة "الرياض" كانت سباقة وتفاعلت إيجابا مع ظاهرة رياح البوارح عبر سلسلة من الرسائل اليومية عبر جوال الرياض رقم 88588قناة كون (20) والتي تناولت في مجملها تحذيرات ومعلومات علمية عن الظاهرة وكل مايتعلق بالطقس والمناخ وتقلباته.

» رابط المقال في جريدة الرياض