• الاثنين, 07 شعبان 1439
  • |
  • 23 نيسان/أبريل 2018


  • 28,960 قراءة
  • 10 تعليق
  • 28 طباعة

 

الفرضية الأولى The hypothesis

في الحلقة السابقة (الثالثة) في سلسلة عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً ابتدأ الحديث حول الفرضية الأولى وهي احتمال حدوث انفجارات بركانية، استُهلت بمقدمة عن براكين الجزيرة العربية وعن انفجار بركان عام 654هـ 1256م. وفي هذه الحلقة نواصل الحديث عن الفرضية الأولى والتي تنص على الآتي: لو قدر الخالق عز وجل أن تنفجر (بعض) البراكين العظيمة في أرض العرب ـ مثلاً ـ وبشكل متزامن ومتتالٍ لعدة أيام وبقوة هائلة، لنتج عن هذه الانفجارات ـ والله أعلم ـ آثاراً واسعة على الغلاف الجوي لشمال الكرة الأرضية على الأقل.

إذ أن البراكين تقذف بمجموعة من الغازات من أهمها ثاني أكسيد الكبريت sulfur dioxide (SÔ2)، كما تقذف برماد ash وغبار بركاني ينتشر في طبقات الجو العليا؛ يؤدي إلى اختلال في عنصر الإشعاع الشمسيSolar radiation حيث يحجب أشعة الشمس، أو يقلل من نفوذها إلى سطح الأرض نتيجة للرّماد البركاني العالق في الجو، مما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض درجة الحرارة فوق سطح الأرض، وهذا بدوره يقود إلى تغير في عنصر الضغط الجوي، ومن ثَم قوة واتجاه الرياح، وهكذا حتى يعم التغيير كل عناصر المناخ بما فيها الرطوبة، والمطر سلباً أو إيجاباً.

مما سلف تتوقع الفرضية تغيراً في عناصر المناخ فوق أرض العرب وغيرها كنتيجة حتمية للانفجارات البركانية العظيمة والمتتالية، والتي تؤدي إلى انخفاض درجة الحرارة، وارتفاع الرطوبة الجوية، ومنها كثافة السحب والأمطار الهاطلة بإذن الله تعالى، بل (قد) تتجمد قمم الجبال في أرض العرب شتاءً وتذوب صيفاً لتجري منها الأنهار وتصب بالمروج والبحيرات والغدران وترتوي منها الأزهار. تستمر هذه الظروف المناخية الرطبة الطارئة فترة من الزمن حتى يشاء الله تعالى في عودة الجزيرة العربية مرة ثانية صحراءً وأحقافاً بعد تلاشي آثار الانفجارات البركانية بشكل تدريجي، وربما تدوم الحالة الرطبة للجزيرة العربية فترة من الزمن يعقبها قيام الساعة والله أعلم. وتتنبأ الفرضية إلى أن الانتقال من حال الجفاف والصحراء إلى الرطوبة والأمطار ومن ثم حالة المروج والأنهار قد تستغرق فترة قصيرة ... على سبيل المثال فصلاً واحداً فقط والله أعلم وأحكم.


صورة فضائية توضح العديد من الفوهات البركانية الضخمة في حرة خيبر، ويظهر في الوسط فوهة بركان البيضاء الذي يبلغ قطره 1.52كم.(الألوان طبيعية!!)

ويسند الفرضية السالفة شاهدان الأول بشري والثاني طبيعي:

الشاهد الأول: إحتراق آبار النفط في الكويت:

إبان حرب الخليج الثانية عام 1991م عمد الجيش العراقي إلى إحراق ما يناهز 700 بئر نفطي في أرض الكويت، في واحدة تعتبر أكبر وأوسع تلوث نفطي في البر والبحر والجو على حد سواء. استمر هذا الإفساد المتعمد عدة أسابيع، حتى شكل سحباً سوداءً من السخام، انتشرت في سماء وأجواء منطقة الخليج العربي وما جاورها، تسببت في حجب أشعة الشمس كلياً و جزئياً، مما أدى إلى إنخفاض درجة الحرارة فوق سطح الأرض بشكل محسوس في الكويت والمناطق المجاورة. وأثبتت الدراسات العلمية أن درجة الحرارة انخفضت 4ْم في منطقة الخليج1 هذا في المعدل أما اليومي بالطبع أكثر.


سحب السخام تنبعث من آبار النفط الكويتية بعد احراقها من قِبل الجيش العراقي عام 1991م.

وعند التأمل والقياس نجد أن مجموع هذه الآبار لا تعادل بركاناً واحداً نشطاً، ومع ذاك قلبت النهار إلى ليل وخفّضت درجة الحرارة، حتى أن شهر أغسطس آب 1991م في الكويت أصبح كشهور الربيع والخريف حرارةً!. ولو استمرت الآبار محترقة وقتاً أطول لطالت أضرارها كل الأشهر والفصول. فانظر وتأمل كيف تغيرت درجة الحرارة والجو بفعل بشري محدود مساحة وقوة وزمناً فكيف لو كانت 700 بركان!؟.


الرياح الشمالية الشرقية السائدة تدفع سحب السخام العظيمة باتجاه السعودية عام 1991م إبان حرب الخليج الثانية.

الشاهد الثاني: انفجار بركان بيناتوبو Pinatubo في الفلبين:


بركان جبل بيناتوبو Mount Pinatubo أثناء انفجاره التاريخي يقذف بحممه وغازه وغباره إلى عنان السماء في مشهد لم ير العالم مثله حتى الآن (في الصورة قارن بين ارتفاع السحب الركامية والتي يصل ارتفاعها إلى حوالي 18كم وسحب الانفجار خلفها عندها ستدرك الحقيقة).

في جزر الفلبين وخلال شهر أبريل ومايو من عام 1991م اهتزت ورجفت الأرض حول وأسفل من بركان بيناتوبو Pinatubo آلاف المرات، هزات صغيرة مؤذنة بمشهد لم ير العالم مثله خلال القرن الماضي. وفي 12 يونيو من العام نفسه، وبعد سبات للبركان استمر أكثر من 500 سنة انفجر بركان بيناتوبو. ويعتبر أعنف وأقوى انفجار شهده كوكب الأرض خلال القرن الماضي على الإطلاق. هذا الانفجار العظيم خلف سحباً هائلة من الغاز والرماد ash أرسلها إلى طبقات الجو العليا.

قدر العلماء 20 مليون طن من ثاني أكسيد الكبريت وصل إلى طبقة الستراتوسفيرStratosphere وأمتدت عبر مئات الأميال، مما ساهم في حجب الإشعاع الشمسي كلياً أو جزئياً عبر انعكاسها إلى الفضاء الخارجي مؤدياً إلى تبريد الأرض والغلاف الجوي السفلي، كما أثر هذا الانفجار على طبقة الأوزون Ôzone Layer واستمر تأثيره لعدة سنوات.

بلغت المقذوفات البركانية ارتفاعاً خيالياً 35كم في عنان السماء (أعلى من أطول برج في العالم (برج دبي) بـ60 مرة) فقلبت النهار إلى ليل ... فلا إله إلا الله والله أكبر. يُذكر أن هذه السحابة الملوثة غطت مساحات شاسعة من العالم امتدت إلى المحيط الهندي حيث تم متابعتها عبر الأقمار الصناعية. ويشار أن آثار هذا الإنفجار العظيم من بركان واحد استمر فقط 9 ساعات، وآثاره طوقت الكرة الأرضية لمدة ثلاثة أسابيع عبر سحابة في طبقة الستراتوسفير مما تسبب في انخفاض متوسط درجات الحرارة العالمية 0.5ْم من عام 91-1993م.


{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} مشهد مخيف من النسف الدنيوي لجبل واحد! فكيف بنسف الآخرة لكل الجبال؟.

السحب البركانية العظيمة بُعيد النسف والانفجار بدأت في إسقاط حمولتها رماداً وطيناً لعدة أيام، حتى ناءت سُقف المنازل بحمولتها فانهارت، وبعضها طمر في مشهد من مشاهد آيات الله في الأرض يقف الإنسان عندها مرعوباً مذعوراً {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ}. وتجدر الإشارة إلى أن الأمطار تسقط في محيط بركان بيناتوبو بمعدل 2000 ملم سنوياً (الرياض فقط 100 ملم سنوياً) بينما بعد الانفجار الهائل ازدادت الأمطار لتصل 4000 ملم خلال سنة (ما يعادل أمطار الرياض خلال 40 سنة)!!.


آثار البركان غير المباشرة عبر أمطار الطين والرماد.


صورة القمر الصناعي توضح سحابة ثاني أكسيد الكبريت والغبار والرماد البركاني باللون الأحمر والأصفر بين 14 يونيو و 26 يوليو عام 1991م، حوالي 45 يوماً بعد الانفجار، ويُذكر أن هذه السحابة ساهمت في تبريد الكرة الأرضية آنذاك.


{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً} أذن الجبار سبحانه وتعالى أن يصبح جبل بيناتوبو كالعهن المنفوش بعد دكه ونسفه في الدنيا، فكيف في الآخرة عندما تدك وتنسف كل الجبال؟ {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}.

مثال آخر يؤكد العلاقة بين الانفجارات البركانية العظيمة وتغير المناخ المحدود زمنياً ما وجده علماء الطبيعة ونقلته وكالة الفضاء الأمريكية NÂSÂ أن انفجار بركان كاتميKatmai في الآسكا في 6 يونيو 1912م تسبب في انخفاض درجة حرارة النصف الشمالي للأرض خلال فصل الصيف، كما ضعفت الرياح الموسمية في أسيا وأحدثت بعض التغييرات المناخية هنا وهناك. هذا من جهة ومن جهة أخرى ذكرت التقارير العلمية 2 أن من ابرد السنوات خلال القرنين الماضيين السنة التي تلت انفجار بركان تامبوراTambora volcanic عام 1815م والتي ساهمت في تبريد كوكب الأرض آنذاك. هذه أمثلة قليلة لشواهد كثيرة ... ويكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.

وفي الختام دفعني حدث بركان بيناتوبو وغيره إلى ترشيح هذه الفرضية ضمن بضع فرضيات قد تعود الجزيرة العربية مروجاً وأنهاراً بصدق إحداها والله أعلم. ويبقى ما سطرته وكتبته مجرد فرضية ونظرية قابلة للصواب وفي الوقت نفسه للخطأ أيضاً ... فلا تثريب على الكاتب أنا ولا القارئ أنت. وإلى الحلقة الخامسة لنتحدث عن الفرضية الثانية بمشيئة رب السماوات العالية.

وعلى دروب العلم نلتقي فنستقي ونرتقي.

***************************************************************************************

 

 سيناريوهات عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً

 

 

 *****

سلسلة مقالات بعنوان

عودة أرض العرب مروجاً وانهاراً:

 

 

 *****

قريباً أستكمل الحلقات بمشيئة الله

 

 

 

  *عضو هيئة التدريس بقسم الجغرافيا بجامعة القصيم، والمشرف على جوال كون
1435-02-05هـ
2013-12-08م

www.almisnid.com
almisnid@yahoo.com

متى عيدنا .. السبت أم الأحد!؟ متى عيدنا .. السبت أم الأحد!؟ متى عيدنا .. السبت أم الأحد!؟
متى عيدنا .. السبت أم الأحد!؟