|
|||
|---|---|---|---|
|
في مثل هذا اليوم 11 ذو الحجة .. سقطتُ من جسر الجمرات‼️ دار الزمان دورته واستدار بنا قطار الذاكرة ليعود إلى (وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)، ولكنه عامر بضجيج القلوب الملبية، وهتاف الأرواح الظمأى لبارئها. 🕋 كانت عقارب الزمن تشير إلى عام 1403 للهجرة، حين عقد والدي - حفظه الله - العزم على أداء فريضة الحج، يرافقه ركب من الأقارب يشد بعضهم أزر بعض. ولأن الرحلة مضنية، والجموع حاشدة، كان لزاماً أن ننتقي مركبة تليق بقسوة الفيافي وعناء الطريق الطويل؛ فكان الجمس الصالون موديل 1982 🚐، وكأنه سفينة برية صُنعت لتبحر وسط أمواج الصحراء والبشر ولفح المشاعر المقدسة. انسلخ الوقت، وحلَّ اليوم السابع من ذي الحجة (قبل 44 عاماً) كنا نحن الرجال خمسة، نحوط نساءنا بحفاوة الرعاية وسط لجة الحجيج. وصلنا #منى، فإذا هي بحر يموج بالخلق، وقد ضاقت الفجاج بما رحبت، حتى عجزنا عن إيجاد موطئ قدم لنصب خيمتنا اليتيمة. 📍 وبشق الأنفس، نصبنا خيمة بعمودين؛ استقر نصفها على يابس الأرض، وتدلى نصفها الآخر على حافة طريق فرعي، في محاولة بائسة لاقتناص فسحة من أمان وسط هذا الطوفان البشري. 🌋 الجمرات.. مواجهة الطاحونة البشرية‼️ ⚡ قررت أنا وأثنان من أعمامي وقريب لنا فأصبحنا أربعة رجال الذهاب لرمي الجمرات وقت الظهيرة، واخترنا الدور الثاني ظناً منا أنه المهرب الأسهل من صخب وزحام الدور الأرضي. وما إن علونا الجسر وانتصفنا في المسير، واقتربنا من الجمرة الأولى، حتى انفتح علينا جحيم من التدافع‼️ يا لهول ما رأيت‼️ازدحام صهر الألوان والجنسيات في كتلة بشرية واحدة هائجة مائجة؛ وجدار الخرسانة عن يميننا، والآخر عن يسارنا، ونحن محشورون في الوسط كأننا في طاحونة بشرية لا ترحم. 💀 رؤية الموت .. وصراع البقاء تعالت الصرخات، واختنق الأنين في مشهد يخلع القلوب من مواضعها .. تملكني الرعب حين رأيت امرأة يائسة تتشبث بيد قريبي، وتعضها بقوة عمياء؛ صرخة صامتة لانتشالها من الغرق في لجاج اللحم المطحون، ولكن أنى له ذلك؟ فالجمع هائج، وكل نفس بما كسبت رهينة .. وكل نفس لسان حالها نفسي نفسي. في تلك الملحمة البشرية المفزعة، تفرقنا نحن الأربعة كرهاً، وتعطل العقل عن التفكير إلا في شيء واحد: غريزة البقاء. 🦅 الوثبة الكبرى .. قفزة نحو الحياة لم يكن للتردد مكان .. جمعت قواي، وبلياقة وهبني إياها الخالق عز وجل، قفزت من علياء الجسر إلى سطح الشاحنة القريبة‼️ هبطت كقط رشيق، وأحسست بصلابة المعدن تحت قدمي فارتدت إليّ روحي (متأثراً بمغامرات عدنان ولينا) .. ثم ومن سطح الشاحنة ارتقيت إلى فتحات تهوية علوية في سقف الجمرات، وهناك.. جلست كالحمَام الوديع، أرقب المشهد المهيب من مأمن برهة من الزمن. 💔 جمرة الانتظار .. والوالد المحزون ولكن، ماذا حدث في غيابي؟ عاد رفاقي الثلاثة فرادى، والذعر يكسو وجوههم. ثم أتى صاحبنا الثاني قريبنا محمد ـ رحمه الله ـ استقبله الوالد بلهفة المحزون: الحمد لله على السلامة .. أين ابني عبد الله؟ ألم تشاهد ابني عبد الله؟. هز الرجل رأسه بيأس: لا.. أبا عبدالله فقد تفرقنا بعد موجه عنيفة من التدافع والتساقط، ولم أشاهد عبدالله منذ تلك اللحظة المفجعة. ثم جاء صاحبنا الثالث عمي يوسف ـ حفظه الله ـ وقبل أن ينطق بالسلام، بادره الوالد بصوت مخنوق: أين ولدي عبدالله؟. فأجاب: يا أبا عبد الله، لا أعلم .. تفرقنا في الجمرات بسبب الزحام الشديد والموت المستطير، ولم أره منذ تلك اللحظة. هنا .. شحب وجه الوالد حتى كأن الدم قد هجر ملامحه، وانعقد لسانه تحت وطأة الفزع، وغدت اللحظات من حوله ثقيلة خانقة؛ تمرّ بطيئة كأنها أعوام من العذاب المقيم⏳ وفي صدره اشتعلت جمرة الانتظار حتى أحرقت سكينته، وراحت الظنون السوداء تنهش قلبه نهشاً: ثم طعنه السؤال الأشد قسوة: كان قلب الوالد ـ عظم الله أجره ـ يتهاوى مع كل خاطر، وكأن الدنيا كلها تضيق عليه حتى لم يعد يرى إلا صورة ابنه عبدالله بين الحياة والموت. 🥀 عاف الوالد الطعام والشراب، وظل يرقب الطريق بعينين دامعتين، وقلبه يرتجف على ابنه .. يبحث عن طيفه بين ملايين الحجيج .. الجماعة يحاولون تهدئته وأن الغائب حجته معها .. ولكن لم يرعى لهم بالاً .. يدخل الخيمة ويخرج .. وأطبق عليه القلق والحزن من خيالات سوداء تجوس وتجول في رأسه .. أين ابني عبدلله؟ 😭 العودة من الغياب .. وعناق الروح قال لي وصوته يتهدج: ظننت أنك هلكت يا بني .. ظننت أن الحجاج قد دهسوك مع من دهس .. قتلتني يا عبدالله بالقلق، لماذا تأخرت؟. 🎤 قصصت عليه حكايتي، وكيف نجوت من الموت فوق جسر الجمرات، وكيف جعل الله من تلك القفزة من الجسر نجاة، فبدأت أساريره تنفرج قليلاً، ووجهه يستعيد نضارته، حامداً الله الذي ردَّ إليه فلذة كبده🤍 🕋 الختام 💢(كان عدد الحجاج في تلك السنة نحو ثلاثة ملايين حاج، وكان جسر الجمرات آنذاك محصوراً في دورين فقط، كما أن ظاهرة الافتراش وعدم التزام بعض الحجاج بالتعليمات أسهما في وقوع ذلك التدافع المميت.) أ.د. عبدالله المسند 2026-1448 |
|||
|
|
|||