• 76 قراءة


  • 0 تعليق

تحت سماء الكون السحيق

في عام 1407هـ - 1987، كنت طالبًا في المستوى الثاني في الجامعة، شابًا تملؤه الرغبة في استكشاف المجهول والغوص في أعماق السماء .. كانت لدي أحلام صغيرة تراودني بأن أرى ما لا يمكن للعين المجردة أن تراه .. في أحد الأيام اشتريت تلسكوبًا صغيرًا بحجم ثلاث بوصات، وبدأت رحلة الاكتشاف .. كانت ليالي الشتاء الباردة شاهدًا على مغامراتي، حيث كنت أقضيها على سطح منزلنا، متتبعًا مواقع الكواكب والسدم والنجوم والمجرات، وغارقًا في بحر من التأملات.

في إحدى الليالي، كانت السماء صافية كصفحة ماء هادئة، والهواء ساكن كأنما ينتظرني لأبدأ مغامرتي .. أحضرت التلسكوب وأعددته بحماس، موجهًا عدسته نحو سمت السماء .. هناك، حيث موقع مجرة أندروميدا – المرأة المسلسلة – البعيدة عنا بمسافة تُقدر بحوالي 2.5 مليون سنة ضوئية .. وهي أيعد ما تراه العين البشرية بدون مكبرات .. شعرت بأنني على وشك لقاء عالم جديد، عالم يروي قصصًا من الماضي السحيق.

والناس نيام وعنيزة ساكنة هادئة تلك الليلة .. وبعد محاولات عديدة لضبط العدسة والتركيز، ظهرت أمامي – بقعة ضوئية باهتة تمتد عبر ظلام السماء في تلك اللحظة، تسارعت نبضات قلبي، واقشعر بدني، ورجفت يداي .. كنت أشاهد شيئًا بعيدًا جدًا جداً جداً، شيئًا أرسل نوره منذ ملايين السنين ليصل إلى عيني في تلك اللحظة .. لا كلمات يمكنها وصف إحساسي .. تساءلت في صمت: أي سماء تظلنا؟ وأي كون يحتوينا؟ وكيف يمكن لعقلنا الصغير أن يستوعب هذا الامتداد اللانهائي؟

وأنا أراقب هذا المشهد، تداعت إلى ذهني آية من كتاب الله: (فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم). شعرت بعظمة هذا الكون وعظمة الخالق المالك المدبر .. وبتواضعنا أمام هذا الملكوت .. أدركت أن كل ما رأيته كان مجرد جزء صغير من خلق الله، جزء من كون واسع لا نعرف له بداية ولا نهاية.

بينما كنت أراقب المجرة، غمرتني أفكار عن معنى الحياة، عن دور الإنسان في هذا الكون الشاسع، وعن حكمة الخالق في خلق هذه العوالم الكبيرة والبعيدة .. تلك اللحظة لم تكن مجرد مشاهدة لمجرة بعيدة؛ بل كانت لقاء مع الإيمان، ومصافحة آيات الله المشاهدة، ومع الإدراك العميق لعظمة الله.

عدت إلى غرفتي قُبيل الفجر، لكن شيئًا بداخلي تغيّر .. أصبحت السماء بالنسبة لي ليست مجرد لوحة جميلة، بل قرآناً مفتوحًا مليئًا بالآيات الكونية .. كل نجم فيه يحمل رسالة تقول: (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وكل مجرة تروي قصة (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ). ومنذ تلك الليلة، أصبحت السماء صديقي الدائم، والتأمل فيها جزءًا من حياتي .. كانت ليلة لن تُنسى، ليلة جمعت بين حب العلم وحب التأمل في خلق الله، وجعلتني أدرك أن كل رحلة استكشاف هي خطوة نحو معرفة الخالق وعظمته.

أ.د. عبدالله المسند

2026-1448 

  •   
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة 2021
جميع التعليقات والردود المطروحة لا تمثل رأي موقع
الدكتور عبد الله المسند ، بل تعبر عن رأي كاتبها
المتصفحون الان: 17
أنت الزائر رقم 1,520