• 84 قراءة


  • 0 تعليق

📻 وسادةٌ تهمس بالأخبار!

عام 1407هـ (1987م)، كنت طالبًا في المرحلة الجامعية، غارقًا في عشقي للراديو، خصوصًا قُبيل النوم، حيث كنا ننام على سطح منزلنا تحت أديم السماء، وكأننا في فندق من نجوم شتى، ويلحفنا نسيم عليل، وداخلنا شغف لا يهدأ.

كنت لا أود أن أزعج من ينامون في السطح معي بصوت المذياع، فخطرت لي فكرة، ربما يقال عنها اليوم "وسادة ذكية"، ولا أدري: هل سبقني إليها أحد؟ أم كنتُ أول من همس له الحنين بها؟

 

🔧 الابتكار البسيط:
أفرغت وسادتي الإسفنجية بتأنٍ، بقدر ما يكفي لإخفاء سماعتين قديمتين استخرجتهما من لعبة إلكترونية، ثم وضعت واحدة في الجهة اليمنى من المخدة، والأخرى في اليسرى، وربطتهما بسلك يمر من داخل الوسادة إلى مذياعي الصغير، أنيسي وونيسي.

لم تكن تلك المخدة تهمس لي فقط .. بل كانت تعانق أذنيّ بهمسات العالم: من #لندن، إلى #باريس، إلى إذاعة #الكويت وبرامجها الندية .. من نشرات الأخبار إلى حوارات القارات، ومن مذيعين عرفت أصواتهم، دون أن أرى وجوههم، أصبحوا أصدقاء الليل ورفقاء الصمت.

 

🌙 طقوس ما قبل النوم:
قبل أن أستسلم للنوم، كنت أرش فراشي برذاذ الماء، ليصبح الفراش كأنه نَفَس فجر إذا تنفس، أو نسمة مكيف صحراوي .. ثم أستلقي، والصوت يتسلل إلى أذني اليمنى من سماعتها، وإلى اليسرى من الأخرى .. في عالم يتقاطع فيه الحلم مع التحليل السياسي، والخيال مع موجز منتصف الليل.

 

👵 نظرة أمي:
كانت والدتي، قدّس الله روحها، ترتب فراشي كل صباح، فتنظر إلى الأسلاك المتدلية من وسادتي باستغراب .. وبشيء من الشفقة .. لكنها لم تكن تعلم أن ابنها الجغرافي، ابتكر وسادة لا تضيء، ولا تلمع، لكنها تعرف موعد "هنا لندن"، و"مونت كارلو"، وتضبط وقتها على صوت أميركا وبرامج إذاعة الكويت كاملة الدسم.

 

🌍 وسادة ليست من حرير .. بل من خرائط:
وسادتي لم تكن ملوّنة، لكنها مرصّعة بالأقمار الصناعية، تنقلني وأنا مستلقٍ على ظهري من حي البديعة في #عنيزة، إلى أروقة الأمم المتحدة، وقمم موسكو، ومفاوضات جنيف، وانقلابات أفريقيا.

لم يكن فراشي وثيرًا، لكنه مفروش بخريطة العالم.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعرف نومًا بلا موجات، ولا ليلة بلا موجز .. حتى اليوم، في السفر والحضر، في الصحراء أو في المدن، أرقد وبجواري هاتف ذكي، أرتشف منه علمًا، ومعرفة، وقليلاً من أخبار .. هذا والله المستعان

أ.د. عبدالله المسند

2026-1448 

  •   
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة 2021
جميع التعليقات والردود المطروحة لا تمثل رأي موقع
الدكتور عبد الله المسند ، بل تعبر عن رأي كاتبها
المتصفحون الان: 17
أنت الزائر رقم 1,521